الشيخ الأميني
62
الغدير
كان ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم ، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل ، كان يجمع بين اللين والعنف ، فيسطو في موضع السطوة ، ويرفق في موضع الرفق ، كان فارسا شديد البأس شجاعا رئيسا حليما جوادا فصيحا شاعرا ( 1 ) . كتب علي عليه السلام إلى مالك وهو يومئذ بنصيبين : أما بعد : فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة الأثيم ، وأشد الثغر المخوف ، وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرب للأشياء ، فأقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي ، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام . فأقبل مالك إلى علي حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال : ليس لها غيرك ، اخرج رحمك الله ، فإني لم أوصك ، اكتفيت برأيك ، واستعن بالله على ما أهمك ، فاخلط الشدة باللين ، وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة . فخرج الأشتر من عند علي فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية علي الأشتر ، فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر ، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وقال له : إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت فاحتل له بما قدرت عليه . فخرج الرجل حتى أتى القلزم وأقام به ، وخرج الأشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فقال : هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج . فتزل عنده فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياها ، فلما شربها مات ، وأقبل معاوية يقول لأهل الشام : إن عليا وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه . فكانوا كل يوم يدعون الله على الأشتر ، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر فقام معاوية خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد : فإنه كانت لعلي يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر ، وقطعت
--> ( 1 ) راجع في بيان هذه الجمل كلها إلى ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 37 - 41 ط 1 .